السيد محمد باقر الصدر

39

دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )

التي لا يناسبه غيرها « 1 » ، كما يظهر من مراجعة أمثال هذا التركيب عرفاً ، وهذا معناه عدم الاستحقاق ، ومنه يظهر الجواب على الاعتراض الثاني ؛ لان النكتة « 2 » مشتركة ، مضافاً إلى منع نظر الآية إلى العقوبات الدنيوية ، بل سياقها سياق استعراض عدة قوانين للجزاء الأُخروي ؛ إذ وردت في سياق لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 3 » ؛ فإنَّ هذا شأن عقوبات الله في الآخرة لا في الدنيا « 4 » ، ولا منشأَ لدعوى النظر المذكور إلا ورود التعبير بصيغة الماضي في قوله ( وما كنا ) ، وهذا بنكتة إفادة الشأنيّة والمناسبة ، ولا يتعيّن أنْ يكون بلحاظ النظر إلى الزمان الماضي خاصة . ولكن يرد على الاستدلال بالآية الكريمة ما تقدم في الحلقة السابقة من أنَّ الرسول إنما يمكن أخذه كمثال لصدور البيان من الشارع ، لا للوصول الفعلي « 5 » ، فلا تنطبق الآية في موارد صدوره وعدم وصوله « 6 » . ثم إنَّ البراءة إذا استفيدت من هذه الآية ، فهي براءة منوطة بعدم قيام دليل على وجوب الاحتياط ؛ لأنَّ هذا الدليل بمثابة الرسول أيضاً . ومنها : قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ

--> ( 1 ) . أي : أنَّ ظاهر الآية نفي الشأنية والمناسبة ، وهو يلائم نفي استحقاق العقوبة ؛ لأن العبد إذا كان مستحقاً للعقوبة ، لم يكن انزالها به منافياً لشأن المولى . ( 2 ) . أي : إذا كان المقصود أنه ليس من شأن المولى إنزال العقاب قبل البيان ، فهذه النكتة مشتركة بين العذاب الدنيوي والأخروي . ( 3 ) . فاطر / 18 . ( 4 ) . فهذا السياق قرينة على أن قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ناظر إلى العذاب الأخروي أيضاً . ( 5 ) . أي : أنها ليست ظاهرة في أنه لا يعذّب الّا بعد صدور البيان ووصوله للمكلّف . ( 6 ) . ومن الواضح : أننا نعيش عادة حالة احتمال صدور التكليف من الشارع وعدم وصوله الينا ، لا حالة الجزم بعدم صدور التكليف .